عقاب الأبنــاء .... كيف؟    

 عندما نفشل في تعليم الإبن قواعد السلوك بكل الطرق ، علينا أن نلجأ الى العقاب ، ولا يوجد عقاب بدون ذنب ، ويجب أن يسبق العقاب مناقشة مع الإبن لكل نواحي الموضوع الذي يعاقب عليه ..ويفضل جعل الإبن يقتنع بخطأه دون عقاب خصوصا الضرب للمحافظة على إنسانيته .

الزوج يناقش زوجته منذ ميلاد طفلهما الأول حول ضرورة عقاب الإبن الأول عند خطأه ، إن هذا في رأيه إسلوب التربية السليم لكن الزوجة ترفض ذلك بل تحاول ان تمنعه من ضرب إبنه في معظم الأحوال وهذا لا يعني أن الآباء هم المتحمسون لفكرة عقاب الأبناء وأن الأمهات يرفضن ذلك ، لأننا في بعض الأحيان نجد العكس هو الصحيح ، وفي أغلب الأحوال يتفق الأب والأم على رأي واحد حول عقاب الأبناء.

تشغل مسألة معاقبة الأبناء .. هل نضربهم أم لا ؟ مكانا لابأس به في تفكير عدد كبير من الناس . وهي تدل على انهم لايفهمون تماما كل جوانب تربية الطفل لأن الوقوف عند نقطة واحدة والتركيز عليها هو إحساس منا بالعجز عن التعامل مع الطفل . وأن ضرب الإبن ليس هو الطريق الوحيد للتربية . لأننا عندما نحاول أن نسترجع ذكرياتنا عن إسلوب التربية الذي تعامل به آباؤنا معنا او تعامل به آباء الأصدقاء معهم ، سنجد ان بعض الذين كانوا يتلقون الوان العقاب المختلفة فشلوا في حياتهم والبعض الآخر نجح في حياته . وسنجد أيضا ان الذين لم يعاقبهم آباؤهم قد نجح بعضهم وفشل البعض الآخر . وهكذا فالعقاب ليس وسيلة التربية الوحيدة . وعدم العقاب ايضا ليس هو اسلوب التربية الوحيد . أن أساس التربية المهم للغاية ، هو الذي يجعل الإبن مهذبا يجيد التصرف في المواقف المختلفة وهذا هو الإحساس ،إحساس الأبوين تجاه الطفل وإحساس الطفل تجاه الأبوين . وهذان الإحساسان وجهان لعملة واحدة .

أن التجربة الأساسية للتربية السليمة هي حب الأبوين للإبن وقدر التفاني الذي يبذله كل منهما من أجله ، ورغبة كل منهما العميقة في نجاحه والإغتباط الكبير بمميزاته الحسنة وليست السيئة طبعا .. أن دفء حب الأبوين هو الذي يغرس في الطفل حبه للآخرين له . . أن الطفل الذي يعامل الآخرين معاملة رقيقة مهذبة ، يفعل ذلك لأنه تعلم ان يحب الآخرين من والديه ويحب أن يكون محبوبا من الآخرين . ولهذا فانه يتصرف بالسلوك المهذب ويعرف مدى إحساس الآخرين بالترحيب به والإرتياح له عندما يمنحهم حبه . ويستمتع أيضا بحبهم ... وهو أيضا يعرف العكس .. يعرف انه عندما يسيء التصرف فهو يثير في الآخرين الاستهجان له ولإسرته .وهكذا يظهر لنا بوضوح ان رغبة الطفل في أن يكون محبوبا من الأخرين هي عامل  هام في سلوكه المهذب .. ويظهر لنا بوضوح أن حب والديه له هو الذي يتعلم منه كيف يكون محبوبا مطمئنا واثقا . ويجب التأكيد على ذلك لأن البعض يعتبر هذين الأساسين مسألة بديهية   وهناك أساس ثالث له أهميته البالغة وخصوصا في المرحلة الممتدة بين الثلاث سنوات والست سنوات . وهو تقليد الطفل لأبويه . انه يرغب في ان يشكل نفسه حتى يكون مثلهما تماما ، ليس في العمل واسلوب الكلام والتصرف فحسب ، ولكنه يحاول قدر طاقته ان يكون ذا خلق حميد وأن يكون مسؤولا عن سلوكه تماما مثل أبيه وأمه .ومن هنا يتعلم الطفل مهارة التعاون مع الآخرين .. وأن يظهر الشجاعة وقت الخطر .. وان يعامل المرأة بنوع من الرقة والأدب .. وأن يخلص في تأدية عمله كأبيه تماما . وهذا أيضا يمنح الفتاة القدرة على أن تساعد والدتها في أعمال المنزل .. وان تحاول أن تتعلم فن رعاية الأطفال الصغار .. وتتدرب على ذلك مع عروستها الصغيرة أو مع الأطفال الصغار .. وتتعلم أيضا كيف تعامل أفراد العائلة بحنان كأمها تماما . وهكذا نعرف ان الطفل يغتبط بالحب ويستطيع أن يكون مسؤولا عن عمل ما . وبهذا تنمو شخصيته وتنغرس فيه عادة احترام النظام . وليس معنى ذلك ان التربية تنتهي عند هذا الحد ، فكل الآباء والأمهات يعرفون ان هناك كثيرا من المسؤوليات يجب عليهم القيام بها ناحية الأبناء ، لأن الطفل رغم نيته الحسنة الا انه بلا تجربة ويسهل ان تسيطر عليه رغباته ... ويمكن أيضا أن يحاول التصرف عكس المطلوب منه . ومثال ذلك الطفل عندما يجر عربة أخته الرضيعة .. أن الأم تقول له كل ثانية ( حاول دائما أن تكون رقيقا وأنت تجر عربة أختك ) . وتضطر الأم أيضا ان تنادي طفلها أكثر من مرة من المكان الذي يلعب فيه ليتناول الطعام ... فتقول أكثر من مرة : ( إحضر الآن الى المائدة فالطعام جاهز وساخن وسيبرد لو تأخرت ) .. وقد تقول له : ( لاداعي أن تفتح التلفزيون بمفردك .. لأن هذا ليس من إختصاص الأطفال ) أو تقول : ( لا تنزل الى الشارع الا عندما تكون في صحبتي او صحبة والدك ) . وهناك بعض الفترات عندما يرفض الطفل تماما ان يتصرف التصرف السليم . وهو يفعل ذلك حين يحس بالضيق من أحد تصرفاته أو أحد تصرفات الأب او الأم او الأخ او الأخت او أحد الأصدقاء .. وهذه الفترات التي يفلت فيها الزمام من الطفل نفسه تتطلب من الأب والأم قدرا من الحسم وقوة الإرادة والخبرة والمعرفة . دون ان نتوتر او نفقد أعصابنا . ولهذا نحن نؤكد دائما على ضرورة وجود قدر كبير من الإصرار والحب المتفاني في مسألة تعليم الطفل عادة ما . وليس معنى ذلك ان الأطفال لا يملكون القدرة على التكيف مع اي تغيير مفاجىء في التعامل مع الآباء او مع الآخرين . ان كل طفل يملك طاقة كبيرة ومدهشة على التكيف . وهكذا يجب ان يشعر الأب والأم ان مسؤولية تربية طفل هي مسؤولية الحب والحزم معا . وان نتوقع دائما من الإبن أن يتصرف التصرف المناسب حين يمكن أن أن نوحي اليه بذلك . أما الأم التي لا تثق في نفسها أو الأب الفاقد للثقة بنفسه والذي لا يستطيع أن يكون مثلا أعلى للإبن وبعجز عن حب الإبن وتوجيهه الى السلوك السليم . فإن الوالد في هذه الحالة يميل الى أن يصبح هو الآخر ( طفلا ) يهدد ويضرب وهو غير مقتنع بكل ما يفعل . ويجد الطفل يتحداه ويجعله مصرا على ان يتصرف التصرف ليغضب والده ووالدته . وهكذا تتضح أمامنا كيف يمكن أن نؤدب أبناءنا دون حاجة الى العقاب .

أن العقاب ليس الوسيلة الوحيدة لتمنع الطفل من أن يتصرف التصرف المزعج او الخارج عن الحدود العامة إنما هو إسلوب قد نلجأ اليه عندما نستنفذ كل الأساليب الأخرى وقد يكون من الصعب أن يفيد العقاب ان لم يستند الأب والأم الى علاقة حب عميقة بينهما وبين الإبن وكانت شخصية الإبن سليمة بلا إعوجاج .

كان هناك رأي يقول ان الأب لا يجب أن يعاقب ابنا ءه فور ارتكابهم الخطأ لأن الأب يكون في حالة غضب لذلك يجب تأجيل ميعاد العقاب الى وقت يكون فيه الأب هادئا ولا يمكن تطبيق هذا الرأي طبعا لأن أكثر الآباء ليس لديهم القدرة على التحكم في انفسهم عند الغضب فهم يرغبون في العقاب فورا إذ لابد من أن نهدأ ونعزل مشاعر الغضب والغيض عن قرار العقاب  .

ان اختيار العقاب المناسب مسألة متروكة لتقدير الآباء نفسهم ، والعقاب على كل حال عندما يكون عادلا فهو يؤكد في نفس الطفل الإحساس بالعدل ولكن عندما يكون عقابا ظالما فهو يؤدي الى فقدان الإيمان بالقيم الأخلاقية ولهذا لابد من التدقيق جيدا في اختيار العقاب المناسب . وعلينا أن نعرف ان العقاب لن يصلح حال انسان سيء السلوك ليجعل منه انسانا رائع الخلق وهو ايضا لا يضمن استمرار التصرف باتزان من جانب الإبن لمدة طويلة . اذا كانت هناك مشكلة اعمق من التصرف الخاطىء وتكون هذه المشكلة كامنة في أعماق الإبن .

أن تأديب الإبن لا بد ان يتم في اطار من الحب العميق والإحترام الأصيل بين الطفل ووالديه ونستطيع تأكيد ذلك الحب والإحترام عن طريق تعليم الإبن السلوك المناسب منذ الطفولة المبكرة ، والعقاب هو وسيلة لتفكير الطفل بضرورة العودة الى السلوك الصحيح الذي يحيد عنه أما اذا لم نوضح للإبن ماهو الصواب وما هو الخطأ ، فإن عقاب الطفل يكون بلا جدوى ــ ولهذا فمهمة الأم أن توضح للطفل ما هو الصواب وما هو الخطأ ، وان تقف من البداية في منتهى الحزم بدلا من أن تتدخل بالعقاب في الوقت الذي يكون فيه قد مضى على الطفل وقت طويل وهو بعيد عن السلوك السليم . وختاما  علينا تحسين أخلاق الطفل عن طريق الرقابة على انفسنا ، فلا يمكن أن نعاقب طفلا لأنه ينطق الفاظا خارجة ننطقها نحن ببساطة ولا يمكن ان نعاقب طفلا يتصرف على مائدة الطعام بدون احترام لقواعد استخدام الشوكة والسكين ونحن لا نفعل ذلك . ان الإبن في سلوكه أولا وأخيرا هو مرآة لأسرته وفي تمثله هذه الحقيقة الأساسية في قياس سلوك الطفل هل هو مهذب أم لا ؟..